علي أكبر السيفي المازندراني

31

دروس تمهيدية في القواعد التفسيرية

وكفى لاثبات ذلك - مضافا إلى اتفاق علمائنا الإمامية - قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 1 » . فان حفظ القرآن لا يصدق إلّا إذا كان مصونا بين أيدي الناس من أيّة زيادة ونقيصة مغيّرة للمعنى في طيّ الأعصار إلى يوم القيامة . وإنّ اللّه لا يخلف وعده ، ومن أصدق من اللّه حديثا ؟ ! وقوله تعالى : إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ « 2 » . فإن إطلاق هذه الآية ينفي إتيان أيّ باطل وتطرّق أيّ تحريف وتغيير مخلّ بمضمون الكتاب إلى يوم القيامة . إن قلت : هذا الاستدلال دوري ؛ لتوقفه على عدم تحريف الكتاب ؛ إذا الآيتان المستدلّ بهما من الكتاب . قلت : هاتان الآيتان لم يقل أحد بوقوع أيّ تحريف فيهما . بل تواتر قراءتهما متّفق عليه بين الفريقين . فليس فيهما احتمال أيّ تحريف وتصحيف ، بل ولا أيّ اختلاف في قراءتهما ، كما هو واضح لمن راجع تفاسير العامة والخاصة . وقد استدل بهما شيخ الطائفة والطبرسي وغيرهما ، من أعاظم الأصحاب على عدم تحريف القرآن بأيّ وجه ونحو من وجوهه وأنحائه . وأيضا يدل على ذلك حديث الثقلين وما ورد من النصوص الآمرة بالتمسّك بالقرآن ؛ حيث لا حجية له مع وقوع التحريف المغيّر لمعناه ، بل لا يلائم حجيته احتمال تطرّق التحريف فيه . والأمر بالتمسّك بالقرآن كلّه - كما هو ظاهر إطلاقه ، بل مقتضى دلالته التضمّنية - ، فرع حجيته بتمامه ، ومن هنا يكشف عن عدم تطرّق التحريف - المغيّر لمعناه - إليه إلى يوم القيامة .

--> ( 1 ) الحجر : 9 . ( 2 ) فصّلت : 41 - 42 .